كوركيس عواد

40

الذخائر الشرقية

أو نقطتين تحت بعضها ، للتمييز بين ما يتشابه من تلك الحروف . كان العرب في بدء أمرهم بالكتابة ، ذوي سليقة عربية بحتة ، فكانوا يكتبون ويقرءون لغتهم بوجه صحيح ، للملكة اللغوية الغالبة عليهم . ومن ثمة لم يكونوا بحاجة ماسة إلى وضع علامات يميزون بها الحروف المتشابهة في الرسم : كالباء والتاء والثاء ، أو الجيم والحاء والخاء ، أو الدال والذال ، الخ . بل كانوا يدركون ذلك من السياق والقرينة . فكان من ذلك أنهم لم يستعملوا « الشكل » ولا « الإعجام » في كتابتهم . ولما ظهرا بينهم ، كانوا يرغبون عنهما لما يرونه فيهما من تشويه لمنظر الكتابة . فمما نقل عن الخليفة المأمون في هذا الصدد أنه قال لكتابه : « إياكم والشونيز في كتبكم » « 1 » « 2 » . فكأنه شبه النقط والحركات بالشونيز ، وهي الحبة السوداء التي توضع في وجه الخبز ! . ولكن هذا الأمر لم يدم طويلا . فإن العرب بعد أن اختلطوا بالأمم الأخرى ، كالفرس والترك والروم والبربر وغيرهم ، أخذ اللحن يدب في لغتهم ، ففكروا في ما يصون لغتهم من الزلل أو الخطأ ، فاستنبطوا الشكل والإعجام اللذين ما لبثا أن شاع استعمالهما بينهم ، فاستحسنوهما حتى قالوا في ذلك : « إعجام الكتب يمنع من استعجامها ، وشكلها يصون من أشكالها » . إلا أن تشكيل الكلمات ، لا يحصل كيفما اتفق ، بل يسير وفق قواعد وأصول ، وهذا ما يعبر عنه بعلم النحو . وأول من وضع الشكل والنحو ، أبو الأسود الدؤلي ، المتوفى سنة 67 ه - 686 م . فقد ذكر مدونو أخباره « إن زياد بن أبيه ، بعث إليه وقال له : يا أبا الأسود ، إن هذه الحمراء « 3 » قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب . فلو وضعت لهم شيئا يقيمون به كلامهم . فأبى عليه . فبعث زياد رجلا وقال له : أقعد على طريق أبي الأسود ، فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن ، وتعمد اللحن فيه . فعقد ذلك الرجل على طريق أبي الأسود فلما مر به ، رفع صوته وقرأ : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ « 4 » - وكسر اللام في كلمة

--> ( 1 ) الرسالة العذراء لإبراهيم بن المدبر ( ص 25 بتحقيق الدكتور زكي مبارك ) . ( 2 ) * لقد ثبت باليقين أنّ ( الرسالة العذراء ) ليست لابن المدبر بل لإبراهيم بن محمد الشيباني ، انظر الهامش 172 من ( الخطّ العربي في آثار الدارسين ) . ( 3 ) يريد بالحمراء : الأعاجم . ( 4 ) سورة التوبة ، الآية : 3 .